ابن تيمية
131
مجموعة الرسائل والمسائل
الشريعة بالعبادة والدعاء بما يوافق الفطرة ، بخلاف ما عليه أهل الضلال من المشركين والصابئين المتفلسفة وغيرهم فإنهم غيروا الفطرة في العلم والإرادة جميعاً ، وخالفوا العقل والنقل ، كما قد بسطناه في غير هذا الموضع . وقد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق قبل وجهه فإن الله قبل وجهه ، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكاً ، ولكن ليبصق عن يساره أو تحت رجله " وفي رواية أنه أذن أن يبصق في ثوبه . وفي حديث أبي رزين المشهور الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم " أنه ما من أحد إلا سيخلو به ربه " فقال له أبو رزين : كيف يسمعنا يا رسول الله وهو واحد ونحن جميع ؟ فقال " سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله ، هذا القمر آية من آيات الله كلهم يراه مخلياً به ، فالله أكبر " ومن المعلوم أن من توجه إلى القمر وخاطبه إذا قدر أن يخاطبه لا يتوجه إليه إلا بوجهه مع كونه فوقه . ومن الممتنع في الفطرة أن يستدبره ويخاطبه مع قصده التام له وإن كان كل ذلك ممكناً ، وإنما يفعل ذلك من ليس مقصوده مخاطبته كما يفعل من ليس مقصوده الخطاب ، فإما مع زوال المانع فإنما يتوجه إليه ، فكذلك العبد إذا قام إلى الصلاة فإنه يستقبل ربه وهو فوقه فيدعوه من تلقائه لا من يمينه ولا من شماله ، ويدعوه من العلو لا من السفل ، كما إذا قدر أنه يخاطب القمر . وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيحين أنه قال " لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم في الصلاة أو لا ترجع إليهم أبصارهم " واتفق العلماء على أن رفع المصلي بصره إلى السماء منهي عنه ، وروى أحمد عن محمد بن سيرين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع بصره في الصلاة إلى السماء حتى أنزل الله تعالى ( قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ) فكان بصره لا يجاوز موضع سجوده .